تـ أ قـ ـلـ ـم

 

كان يا مكان في قديم الزمان .. حين خُلق الإنسان وفي فمه سؤال: أين أنتمي؟ فجاب البقاع بحثا عن الجواب. عاش الإنسان بقمم الجبال وتأقلم. وعاش بقرب البحار وتكيف. وعاش بالخيم والكهوف وصنع البيوت من طين وخشب. وبحث عن طعامه بالأدغال والمحيطات وبين الأشجار. استطاع توظيف جميع الموارد من حوله لتحقيق غايته وكان خلال هذا كله في كل مرة يكتشف طرقا جديدة للحياة.

ولكن…ماذا يعني تأقلم؟

(تأقلمَ: (فعل
تأقلمَ يتأقلم ، تأقلُمًا ، فهو مُتأقلِم
تأقلم الشَّخصُ مع البيئة الجديدة تكيَّف معها ، تعوّد عليها ، تأقلم مع حياته الجديدة

بعد انقضاء أكثر من ٦ أسابيع من الحياة الجديدة التي فرضت نفسها على العالم أجمع، بدأ التأقلم يتسلل للوجود بهدوء وخفة ليجيب على الكثير من التساؤلات القديمة التي كانت تدور بخلدي، استطاعت الأجوبة أن تجد طريقها إلي بسلاسة غريبة. فأنا اليوم أعيش التأقلم كتجربة حية مليئة بالوعي عني.. أنا، الإنسان.

خلال هذه الرحلة -المستمرة-  تمر علي بعض القصص التي قرأتها وشاهدتها وسمعتها والتي هي حقيقة مصدر بهجتي المتجدد، فأنا مؤمنة بأن القصص تحرك دواخلنا ونتبعها دائما بلا وعي. أو أحيانا، هي تتبعنا.

بنهاية إحدى الليالي الماضية، تذكرت بعض تفاصيل فيلم  Room التي تحكي قصة طفل لا يتجاوز ال٥ سنوات يعيش مع أمه بغرفة صغيرة ولظروف معينة لم يسمح لهما بمغادرة هذه الجدران الأربعة منذ ولادته. ومع ذلك، استطاعت الأم الخارقة بأن تحول “الغرفة” إلى كون خاص به وتبث روح منها بكل الأشياء من حولهما ليحظى بطفولة كاملة، أو على الأقل طفولة مليئة بالتجارب الجديدة قدر ما استطاعت. كأن يخبزا كيكة معا أو يراقبا تبدل النهار إلى الليل من خلال نافذتهما الوحيدة. مقاطع متقطعة من هذا الفيلم مرت علي لتذكرني بأن لكل منا مساره الفريد للتأقلم، كل له طريقته وخططه. بهدوء أو بضجيج، نحن نتأقلم.

 أفكار شبيهة أخرى راودتني البارحة وأنا أنشر الغسيل، تذكرت كلمات الأسير وليد أبو دقة في إحدى رسائله من المعتقل وهو يتحدث عن حوار مع رفيق له بالزنزانة فكتب : “عَتِقَ في أقبية السجن.. يتلهى بحرية تأبى أن تأتي، فيحلم في الآونة الأخيرة بأحلام يقظة ويتسائل تعرف شو أكتر شي مشتئلة برى؟ أو حتى ممكن يبكيني.. إنو واحد يسألني سؤال في امر عادي جدا؛ يسألني مثلا: معك فراطة؟
“مش مهم يكون معي أو ما يكون، المهم يسألني؛ من زمان ما حدا سألني إذا معي فراطة 

مثل الصدى، استمرت كلمات وليد أبو دقة تتردد بذهني إلى أن انتبهت بأني انتهيت من نشر الملابس ومازلت بغرفة الغسيل متسمرة وأشعر -لأول مرة- بعمق الجملة والتي لطالما مرت على مخيلتي مرور المعجب بالكلمات، المذهول بالموقف، ولا شيء غير ذلك. أما الآن، فأنا أيضا اتلهى بحرية تأبى أن تأتي،وأحن لأن يسألني أحدهم سؤالا بسيطا كسؤال: “معك فراطة؟“. 

وأنا أكتب هذه التدوينة تذكرت بأنني كنت أحضر لحلقة بودكاست بنهاية ٢٠١٩ -مؤجلة حتى إشعار آخر- كتبت فيها عن قصة الدكتور فيكتور فرانكل التي اقرأها الآن وأتعجب من مقدار تغير مشاعري ونظرتي تجاهها، أصبحت أكثر من مجرد قصة في نص بودكاست، أصبحت مرجعا لي للتأقلم… بالمعنى.

أذكر بأنني قرأت كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى” ما يقارب الثلاث مرات لتحيا بمخيلتي جميع تفاصيل  قصته ولكيلا أفقد أي جزئية قد تثري حلقة البودكاست. كنت انبهر بعد كل قراءة من قدرته على الثبات وحفاظه على إنسانيته بالرغم من الأحداث البشعة التي مرت عليه. حيث أنه بغمضة عين تحول فيكتور فرانكل من دكتور نفسي مرموق إلى مجرد رقم بمعسكرات الاعتقال النازية وسط حرب لا ذنب له بها. بلحظة غير متوقعة أصبح الدكتور فيكتور لا أحد وهذا بحد ذاته، مرعب. كيف تتبدل الأحوال بهذه الطريقة والسرعة المجنونة؟

يحكي لنا  الدكتور فيكتور بدقة عن أيامه بالمعتقل وعن مقدار الألم والعذاب والذل الذي تعرض له مع رفاقه.. ومن الجمل التي كان لها وقع مختلف علي: “لم نستطع تنظيف أسناننا، ورغم نقص الفيتامينات فإن اللثة أصبحت أقوى من ذي قبل! والشخص خفيف النوم ملتصق الآن بزميله يغط في نومه رغم ضوضاء شخير زميله، لقد تغير المألوف”

المألوف هو غالبا ما نقضي معظم حياتنا خوفا من تغيره و على الرغم من بساطة الأمثلة المذكورة بالجملة السابقة  إلا أنها واقعية جدا وتشرح ما شعر به معظمنا عند بداية جائحة كورونا (كوفيد١٩) “تغير المألوف علينا”  وحاصرنا الخوف من كل جانب. الخوف الذي يحمل أبعادا مختلفة، الخوف من التغيير، من الوباء، من الفقد.

من التغير السريع الذي ألاحظه هو تغلغل بعض المصطلحات على حديثنا اليومي من دون عناء يذكر: تباعد (اجتماعي/جسدي)، جائحة وبائية، تقصي وبائي، العزل الصحي، العمل من المنزل، اجتماعات افتراضية، حالات إصابة، حالة وفاة جديدة، الحظر الجزئي/الكلي… وغيرها من الكلمات التي اعتدنا على وجودها بيننا اليوم.

كما أصبحت أعلى درجات الاهتمام هو أن يطلب لك أحدهم علبة “كمامات” أو يسألك من تحب: “غسلت يدك؟”

نعود للدكتور فيكتور، بوسط هذه الظروف التي تمر عليه، يخبرنا الدكتور بأن فكرة الانتحار راودت كل شخص منهم ولو لفترة قصيرة وهذا السبب على وجه التحديد ما دفعه لسؤال لم لا ننتحر؟ وتتباين الإجابات هنا، فالبعض يبقى بدافع الحب وآخر بدافع الإيمان وأحدهم بدافع الشغف. العامل المشترك هنا هو المعنى وإن اختلفت طرق الوصول إليه، المعنى الذي يستحق منا الحياة. وهو بطريقة أو أخرى يعطينا تعريفا آخر للتأقلم وهو البحث عن معنى وجودنا بهذا العالم . فإذا وجد الدكتور فيكتور وشركائه بالزنزانة أسبابا كثيرة للحياة، كيف أتعلم منهم؟ وكيف أمضي هذه الأيام المليئة باللايقين من جانب، ومليئة من جانب آخر بوقت ومساحة أكبرلأفكر بمكاني الصحيح وسط هذه الهندسة الكونية. كيف يكون سؤالي الأول ماذا أعطي بدل السؤال الدائم ماذا أُعطى؟ اليوم أكثر من أي وقت مضى. لأني -أنا، الإنسان- أملك حرية اختيار اتجاهي في الحياة وهو من الأشياء المهمة التي ذكرها الدكتور فيكتور:

“اننا نحن الذين عشنا في معسكرات اعتقال نستطيع أن نتذكر أولئك الأشخاص الذين يمرون على الأجنحة لكي يهدئوا من روع الآخرين، ويضحون بإعطائهم آخر كسرة من خبز تتبقى معهم. ربما كان هؤلاء الأشخاص قلة من حيث العدد، ولكنهم يقدمون دليلا كافيا على أن كل شيء يمكن أن يؤخذ من الإنسان عدا شيئا واحدا: وهذا الشيء الواحد هو آخر شيء من الحريات الإنسانية – وهو أن يختار المرء اتجاهه في ظروف معينة، أي أن يختار المرء طريقه.”

بعد قراءة كتابه في تلك الفترة،  شعرت بأنني وجدت تعريف التأقلم لنفسي: “رحلة البحث عن معنى للاستمرار”، أما اليوم وبعد أن مارست هذا التعريف حرفيا ودربت نفسي على إيجاد المعنى بكل شيء حولي رغم صعوبته وعدم نجاحي بكل مرة استطيع إخباركم  بأنني وإلى اليوم الجمعة ١٥ مايو ٢٠٢٠  أنا، الإنسان، أنجو بالمعنى.

حنين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s