“لأمتد منكِ للعالم..”

في الآونة الأخيرة، تتزاحم وتتطاير الكثير من الأفكار في رأسي، وفي محاولة لترتيبها ووضعها في المكان الأنسب، سقطت فكرة على الطاولة وقبل القبض عليها، بدأت بمحاسبتي على تقييدها لوقت طويل، أو، هكذا خيل لي.
أنا لم أخلق لأعيش بداخلك فقط، تقول بلهجة عتب. بل خلقت لأمتد منكِ للعالم، تضيف بنبرة ألطف قليلا.

بعد هذه المحاضرة القصيرة، تخيلت العدد الهائل من الأفكار التي تظل حبيسة عقولنا، ولا تُعطى الحرية لتجوب فضاءات أخرى أو فرصة .كالتي حصلت عليها الفكرة، صديقتي، والتي بالمناسبة تعرف باسم امتنان

لطالما وددت الحديث عن الامتنان ومدى أهميته على حياتي اليومية، وفكرت ببدأ سلسلة أسبوعية عن الأشخاص والأمور التي أشعر بالامتنان تجاه وجودها بحياتي وغيرها من الأفكارالمرتبطة بممارسة الامتنان.
وبرغم عدم استعدادي التام للكتابة عن الامتنان، فلم أبحث عن قصص وحكايا تساند التدوينة لجعلها مشوقة، ولم أتخيل شكل التدوينة النهائي كما تجري العادة. ولكنني أود كتابة تجربتي البسيطة اعتمادا على ذاكرتي* على أمل أن أفيد ولو بالقليل .

الامتنان هو العكاز الخفي الذي ارتكن عليه، هو أسلوب الحياة الذي توصيني عليه أمي، هو شعور موازي لمشاعري الأخرى ولكنه يحتاج إلى جهد لكي يتجدد.

ومن زاوية أخرى، قد قيل لي مرة شيئا بما معناه بأننا يجب نمشي على الأرض كما لو أننا نقبلها باستمرار. ومتأكدة بأن للامتنان تعاريف لا تنتهي تبدأ بالمعجم وتنتهي بتعريفك الخاص الذي اخترته لنفسك.

في ظل الظروف الراهنة التي نعلم جميعا ما هي، رأيت بأن البعض يؤمن بأن السعادة تولد الامتنان فإن غابت مسببات السعادة التي وضعوها لأنفسهم، غاب الامتنان. شخصيا، أرى المعادلة بطريقة عكسية، فالامتنان هو الأساس وهو الذي يجلب لنا الفرح والسعادة الداخلية.
خلال الأشهر الماضية تغير نظام حياتي -وحياتكم، بكل تأكيد- فأصبحت أعمل من المنزل ولا أغادره إلا للضرورة والرفاهية المطلقة صارت تكمن في رحلة تجول بالسيارة مع زوجي.
فعليا، معظم الأسباب التي كانت تسعدني حقا اختفت فجأة من حياتي بلا سابق إنذار، لن أذكر الأسباب لأنني أؤمن بأننا جميعا نتشاركها، وكأنه -وأخيرا- استطاع العالم كله أن يجتمع على شعور موّحد، اجتمعنا على.. النوستالجيا.
وعلى الرغم من ثقل بعض الأيام وشعوري بالعجز بأوقات، ولكن التدريب الدائم على الشعور بالامتنان يمدني ببهجة وراحة داخلية، الامتنان يقوي مناعتي ضد التقلبات المستمرة.

على سبيل المثال، اليوم أنا ممتنة للسماء التي تواسينا بغيومها الفاتنة، وألوان الغروب الآسرة التي تجعلنا نقف على جانب الطريق لنتأملها ونصورها. وممتنة لكوب القهوة اللذيذ الذي نعده كل صباح ونتناوله مع كيكة الموز التي تعلمت إعدادها بفترة الحجر. وممتنة لعيني المندوب المبتسمة وهو يعمل جاهدا لإيصال جميع الطلبات قبل العيد. وممتنة لرائحة البخور التي تملء قلبي قبل الغرفة. وممتنة لاتصالات الأصدقاء ورسائلهم التي لا تزال مصدر ضحكاتنا وابتساماتنا.. والأهم ممتنة لله على كل هذا الامتنان.

وأخيرا، أنا ممتنة الآن -أكثر من أي وقت مضى- لأن الروح لا تزال تتعلم كيف تزهر، والقلب يحب ويحتوي، والقلم يكتب..وأنتم تقرأون.

على ماذا أنتم ممتنون لهذا اليوم؟

حنين.

*بالمناسبة اقرأ حاليا كتاب رقصة القمر مع آينشتاين والذي يتحدث عن فن وعلم التذكر وللآن ممتع

4 thoughts on ““لأمتد منكِ للعالم..”

Leave a Reply