قنطرة العبور

هل تساءلت يوما عن طريقة بناء الجسور؟ سواء أكنت تعرف على وجه الدقة طرق تصميمها وبناءها وأنواعها المختلفة أم أنك فقط تستطيع تخيل العملية وصعوبتها دون الحاجة للدخول في التفاصيل، بكلتا الحالتين، أظننا نتفق بأنها عملية تتطلب معرفة شاملة وتكلفة باهظة وبلا شك جهدًا جبارًا

ولكن ماذا عن إقامة الجسور مع العالم من حولنا؟ خاصة مع أولئك الذين يختلفون عنا بشكل أو آخر. هل ستتطلب هذه العملية نفس المعرفة والتكلفة والجهد؟ وكم يا ترى نستثمر من وقتنا لبناء هذه جسور؟

*منذ أسبوعين أو أكثر، كنت استمع لحلقة بودكاست عن مفهوم الأرضية المشتركة
 وبحسب نطاق الحديث عرفوه على أنه عملية إيجاد أوجه الشبه بين الأطراف المختلفة لخلق نقاشات مثمرة وأحاديث تبتعد عن الشخصنة. فمثلا، عند الخوض بأي محادثة مع شخص تعلم مدى اختلافه عنك فكريا، ابحث عن أرضية مشتركة بينكما تستطيعان الانطلاق منها ثم البناء عليها، فمهما اختلفت الآراء ستذكرون بأنه هناك شيء مشترك بينكما تستطيعان العودة إليه دائما للبدء مجددًا أو أحيانا لمنح الحديث فرصة أخرى. أحببت النظر لهذه الفكرة على أنها جسر يساعدنا على الوصول للطرف الآخر بصورة أسهل فكما تربط الجسور بين المجتمعات بكثير من الأحيان وتوفر فرصًا أكثر للشعوب، أؤمن بأن الجسور التي نبنيها ستزيد من فرص الحوار والتعاون بيننا

هذه الفكرة دفعتني لتذكر الكثير من النقاشات الحادة من أطراف لامعة فكريا فشلوا في بناء جسور بينهم والذي يؤدي إلى خسارة جميع الأطراف غالبا وعدم الالتقاء مجددًا وهو على الأغلب ما يحدث بسبب إيمان كل طرف بأن وجهة نظره في الموضوع ليست وجهة نظر فحسب وإنما هي الطريقة الطبيعية للتفكير وهذا ما يعرفه *علم النفس على أنه تأثير الإجماع الخاطئ
والمثال الأشهر على ذلك هو حينما نقود سياراتنا في الشوارع، نحن دائما نرى من هم أبطأ منا على أنهم حمقى ومن هم أسرع منا على أنهم مجانين

وهنا بالطبع، لا أقصد بأننا يجب أن نفكر كلنا بطريقة واحدة فهذا سيعدم من التجديد والابتكار وينشر الضجر والملل في الحياة والذي يذكرني بشيء كتبه سعود السنعوسي في رواية ساق البامبو:

” في الصفحة الأولى يقول أبي أن اليد الواحدة لا تُصفَّق، وفى تفاصيل الرواية يدعو الناس لأن يكونوا يداً واحدة، لا أفهم لماذا يدعوا الناس أن يكونوا يداً واحدة وهو على يقين بأنها لا تُصفَّق.”

قبل كتابة التدوينة، بدأت في محاولات التطبيق هذا المبدأ في يومي بشكل كبير حيث أعترف بأنني أتفادى أحيانا مشاهدة مقطع لشخص سمعته مرة يقول شيئًا لا أتفق معه كليًا. وأحيانا أخرى، أتظاهر بالاستماع لمن هوأ أمامي وفي الحقيقة أكون -بشكل سري- أحضر الرد الذي سيمكنني من إثبات صواب رأيي، والذي يذكرني بلعبة “التلفون الخربان”* والتي تنتهي بشيء مختلف تماما عن الجملة الأصلية التي بدأت بها اللعبة، وهكذا ينجلي جوهر النقاش الحقيقي ليصبح حلبة سباق الفائز بها خاسر بمعظم الأوقات

العملية ليست سهلة، وتتطلب معرفة ووعي بالغ ولكنني أحاول جاهدة لغرس هذه الخصلة بداخلي، لأنني أستطيع الآن أن أعيي قيمتها وتأثيرها علي أولا وعلى من حولي ثانيا  

تبقى هذه الفكرة التي أؤمن بها وأرى بأنها حقيقية وصحيحة ليست إلا حقيقةً نسبية. فكل شيء يدور في أفلاكنا نسبي مهما توهمنا بأنه “الحقيقة”

وكما يقول عالم النفس مصطفى حجازي: “كل حقيقة تخفي وراءها أخرى أكثر محورية منها.” وأضيف وراءه بصوت خافت: نسبيا

            حنين

*“Common ground”

*“False consensus effect”

* لعبة (التلفون الخربان): “من ألعاب الأطفال القديمة والمسلية، وتعتمد هذه اللعبة على مجموعة من الأطفال يجلسون على شكل دائرة، ثم يهمس أحد الأطفال بجملة في أذن الطفل الذي بجانبه، ويكرر الأطفال واحد تلو الآخر عن طريق الهمس للطفل الذي يليه حتى تصل إلى آخر طفل.عندها يقوم آخر طفل ويقول الجملة بصوت عال، حيث نجد جملة النهاية مختلفة عن جملة البداية.”

Leave a Reply